نصر حامد أبو زيد
67
الاتجاه العقلي في التفسير
والنظر حتى يصل إلى الحقيقة التي تسكن إليها نفسه ويهدأ لها باله . وعلى ذلك تقوم المعرفة عند القاضي على أساسين : أساس نفسي هو الخوف من أن يكون على خطأ ، أو على جهل قد يهدد مصيره الانساني . وأساس معرفي هو الشك فيما يعتقده ، وتجويز أن يكون الواقع على خلاف ما يعتقد . وبناء على هذين الأساسين تتحدد الغاية الدينية للمعرفة ، وهي غاية ذات شقين : غاية دينية أخلاقية هدفها أن تجنب الانسان القبيح الذي يترتب عليه استحقاقه للذم ، وأن تؤدي به إلى فعل الحسن الذي يستحق به المدح . وغاية أخروية هدفها خلاص الانسان من العذاب الذي يمكن أن يلاقيه نتيجة جهله بخالقه ، وتقصيره في أداء ما كلّف به . وأساسا المعرفة - الشك والخوف - وغايتاها - الدنيوية والأخروية - غير منفصلتين بأي حال من الأحوال ، فكلاهما تفضي إلى الأخرى . يختلف كل من أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم في تحديد طبيعة الخاطر الذي يدعو إلى ضرورة النظر ، فذهب أبو علي إلى « أنه ليس بكلام وأنه اعتقاد » 92 بينما ذهب أبو هاشم إلى « أنه كلام ، إمّا أن يفعله اللّه تعالى أو يأمر بعض الملائكة بفعله » 93 وحاول القاضي عبد الجبار التوسّط فذهب إلى أنه معنى « لأنه أمر حادث يختصّ من ورد عليه ، ولا بدّ إذا كان معنى ، من أن يكون من أفعال القلوب أو أفعال الجوارح ، لأن اثباته سوى هذين لا يصح » 94 . وبصرف النظر عن هذا الخلاف الدقيق ، فإن مهمة الداعي والخاطر تنحصر - عند أبي هاشم - في بيان وجه الضرر الذي يلحق بالمكلّف إذا ترك النظر ومن ثمّ يتوجّه إليه قائلا « انظر لتعلم أن لك صانعا صنعك ومدبرا دبرك ، وتعلم استحقاق الثواب من جهته على فعل الواجب والعقاب على فعل القبيح . ومتى لم تعرفه وتعرف هذا الثواب والعقاب ، كنت إلى فعل القبيح أقرب ، لأنك تجد شهوته فيك ، وأنت إذا عرفته كنت إلى التباعد منه أقرب ، لأنك تجد استحقاق الذم على القبيح مع ما يؤثّر فيك من غم ونقيصة ، فلا تأمن أن تستحق به المضار العظيمة » 95 عند ذلك يخاف المكلّف من ترك النظر « حتى لو لم يخف البتة لم يكن مكلّفا ولا عاقلا ، إذ العاقل إذا خوّف بأمارة صحيحة خاف لا محالة » 96 . ومن اللافت للانتباه أن القاضي عبد الجبار إذا كان قد اعتبر العقل فطريا وقاسما مشتركا بين البشر ، لا يتأثر بظروف الزمان أو المكان أو البيئة ، فإنه أدرك أن الباعث على النظر والاستدلال واكتساب العلوم النظرية يأتي من خارج الانسان - الداعي والخاطر - ومن داخله - الشك - معا ، فالخاطر يثير الخوف من العقاب الخارجي ، والشك يثير الرغبة في التوازن الداخلي وصولا لليقين . ولكن هل من